ما إن يقفُ امام البحر، ما إن تصير الدنيا في كفٍ وروحهُ في كفٍ أخرى، هناك… حيثُ الركنُ الوحيد الذي يتذكرُ فيه من يكونِ حقاً: إنسانا مُكتضاً كانَ، قبلَ أن يُقتل حيا! مُحالٌ أن يلتفتُ إلى أيٍ من كان القادمُ إليه، حبيباً يُغادرُ أو يخطو نحوهُ، مُحال أن يُحيي زائراً يستحوذُ ولو على رُبعَ خطوةٍ من ساحتهِ: البحرُ، "دمعُ الأرضِ الذي لن يجفَّ أبدا" كما وصفهُ، فالبحرُ أولى بخشوعه وبتضرعهِ التامِ لأمواجِ الذكرى المالحة، كان كل الحريقِ الدائم حولَ هيئتهِ يُخمَدُ أمامَ شلالِ الغسقِ ، فيتلونُ من مقدمةِ رأسهِ إلى أخمضِ قدميهِ بتُرابِ النجومِ، كان يشرقُ في عزِ الليلِ ويحترقُ كالنيزكِ فوقَ ظلالِ النهارِ وهذا ما أذكرهُ أنا، أنا… الواحدُ الذي تجرّأَ واستحوذَ على مساحةِ "عيشه" في ذلك اليوم -فلا يوماً مثله قد اتى من بعده- عندما انتظرتهُ حتى يخلصَ من "العيشِ" على الشطِّ، حيث يتشبثُ بروحهِ بأنامل كفهِ الواحدة، صبرتُ حتى يعود مُلتفتاً لواقعه، حيثُ أمهِ الدنيا انتظرتُ صامتاً، والحروفُ تخدشُ بصراخها لُبَ عقلي انتظرتُ متأملاً، وخناجرُ اليأس تخمشني خمشاً! ولكنهُ طعنَ الرتابة في لحظةٍ وأدار خنجرَ التمرد في كبدِ رماديةٍ الأيام، كسرَ المُتوقعَ والتفت..فابتسم، ومن ضبابٍ رماديّ صارَ الأُفق ممتلئاً بغيمِ الشروقِ الأحمرِ، فصار كل ما فيهِ مُدمياً، ولازلتُ أدورُ تائهاً في دوامةِ السؤالِ: ما الذي غشى بصيرتي لألا التقطَ هالةَ النظرةِ الأخيرة من امرءٍ لم يسبق له وأن التفت "ليبتسمَ"؟
تيم اللغة ٢٠٢٤
-مسودة من روايتي التي أتمنى أن تطفو فترى وهجَ القمرِ يوما"-

