شباط/٢٠٢٦
أين تُصرف حق نُقطة الماضي على صفحةِ اليوم؟
على سطورٍ تسرد الحنينَ كالأملِ؟ أم لسدِ مجرى الحروفِ المستعجلةِ لحكايةِ الأمسِ المُدوي؟ أينَ تُصرفُ حقُ “نقطتكَ” التي حملتني عبئها، أينَ ستُصرفُ هذه النُقطة؟ أين؟
أتذكُر حين حملتني مسؤوليتها؟ فعلقتها على ذراعي كالجنينِ المُشوه، كسلاحٍ ناسفٍ دقت ساعة قيامته، لاتزالُ نُقطتك معي…لا تزال.
مُجبرٌ أنت على التمايل على أرجوحةِ الحنينِ التي تركتني مُقيدةً بجنازيرها…ما بِكَ كُُنت تُعاند اللغة وتتمرد على قوانينها الواضحة؟ ألم تكُن كاتباً؟ ألا يحترمُ الكُتاب دستور لغتهم ويُتقنونه؟ وما عهدتُكَ تخطئُ في القواعد أبداً…إلا هذه.
أكانت النقطة في نهاية السطر تُخيفك؟ ليست سوى نقطة، لا معنى لها يتجاوز وَقفَ الكلام…وما يأتي بعدها يبدأُ دوامةَ معنى جديد.
كُنت تُمطر مُعلم اللغةِ بوابلِ شتائم كلما أنقصكَ علامتينِ على مقالاتك الاسبوعية، وتثقبُ الورقةَ بالحبرِ الأحمرِ وأنت تخربشُ على ملاحظاتهِ "نصٌ رائع ولكنكَ نسيتَ النُقطة مجددا” فأخبرتك بأنني سأُذكِرُكَ في المرة القادمة بالنُقطة حتى تكسب العلامة الكاملة، "أنا لا أنساها، حملُها ثقيلٌ على الورق" هكذا أجبتني…نصفُ اجابة، ولم أفهم…فصَمت وصرتُ أتغاضى عن إنهاءِ سطوري بالنُقطة، كانت تُربكك، فوَرثتُ عنك تلك الربكةَ دون مبرر.
ولكنها نُقطة…
أكانت السدَ الصُلب عن الأُفق؟ أكانت الستار المخملي الذي يُعلن ختام المسرحية؟ أم كانت بذرةً زرعتها على سهول السطور وأنت تعرفُ بأنها لن تَنبُتَ يوماً؟ أكانت نبضَ ساعة الصفرِ الأخيرة؟ أهي نجمٌ منفرد يحترقُ بنفسهِ على صدرِ الفضاء؟ أم قبضة طفلٍ على إبهام والده ذو الأصابع التسعِ المبتوره؟ أكانت قبلةَ سلامٍ أم موجةَ لطمةٍ ثائره؟
كنتَ تتركُ الجُملَ مفتوحةً كأبوابٍ مواربة، أكُنتَ تخشى أن يُعلن السكونُ موتَ المعنى؟ أكنت تخشى أن تكونَ تلكَ النقطةَ الشاهد الأخير على سيلِ الكلام، فتُجبر على تشريع الفكرة ودفنِ الذكرى من بعدها، أظُنكَ كُنتَ تؤمنُ بأن كل جملةٍ قابلةٌ للتراجع، فتؤجل النُقطةَ كمحاولةٍ عقيمة بالتمرد على جبروت الوقت، ولم تَنجح…
كُنتَ تؤمن…وكدتُ أنا أن اؤمنَ بأن كل وداعٍ يمكن إنكاره واسترجاعُ ما أفقَدَكَ ما دامت تلك النقطةُ لم تُزرع في تربته، وأن حُريتكَ بالقفزِ من معنى إلى آخر لن تُسلبَ ما دامت وحدها الفاصلةُ تستلقي على السطر.
كنتَ تُبقي المعاني مُعلّقةً كملابسٍ مبتلّة، لا تجفّ ولا تُعادُ إلى الخزانة، تتركها تتأرجح في هواءِ الاحتمال… ثمَ غادرتَ، فصرتُ أنتقمُ من رحيلكَ بانهاءِ كل الرسائل والمقالاتِ والخطابات بالنُقطة التي تركتها لي، وعجبي على علامةِ ترقيمٍ صارت فيَّ سلاحاً، أثراً لذكرى أغضبُ وأحِنُّ عليكَ بها.
فأينَ أصرِفُك يا نقطةَ الماضي على صفحةِ اليوم؟

