مُلاحظة: تحتوي المُراجعة على حرق لأحادث الوثائقي
ما خُلقَ حتى الآن ما هوَ كفيلٌ بأن يحرقَ الفؤادَ أكثرَ من الرسائلِ الناقصة، الرسائل التي لن تصلَ أبداً… والأوجع… الرسائل التي لم يعد المُرسلُ إليهِ روحاً حية، بل حفنةٌ من رفات.
أُيسمى ما شاهدتهُ الآن فيلما وثائقيا؟ تالله هو صفعة مدوية يستمرُ صداها إلى الأبد، وتُغرسُ في لُبِّ الوجد، الصرخةُ الموجهة للأُذن الصماء! هذه رسالةٌ مضجرة بالدماءِ حتى العظم.
كيف للمرء أن يعكسَ ما غرفهُ من هذهِ الرسالة بمُفرداتِ اللغة؟ اكتوى صدري وزُلزلَ العقلُ مُنذ وصلتُ إلى إعلانِ خبرِ مقتلُ زاكري، وهُنا أقول أنني لم أستطع إكمال الوثائقي, فما عادَ للروحِ سعةٌ على تحمل قصةٍ بهذا الثُقل.
لم أشعر بهذا الكم من القهر، والأسى على حالِ عائلة أكثر من عائلة زاكري واندرو، بل كانت مُشاهدتهم عبرَ هذه الشاشة الهشة أمراً جليلا، كُنتُ أُجَّرُ قسراً إلى مأساةٍ لا شأنَ لي بها البتة، وأعيشها بينَ ذكرى وأخرى، بينَ صورةِ طفلٍ ووالده، بينَ ضحكةِ رفيقٍ وغصةِ جدة، وظلالٍ زرقاء تتسربُ إلى المرء وتسكنه فلا تُغادرهُ ما عاش.
اللغةُ تعجزُ اليوم عن صدِّ غصة الرسالة الضائعة التي ستسري فيَّ كسريانَ الدمِ في مجراه.
كُتبت هذه الرسالة لإبنٍ عن أبيه، ولم تصله، بل وصلت لنا، أرواحٌ تحملُ الآن رنةَ ضحكته، ومرأى براءته، وبصمةً عاشَ عاماً واحداً ليتركها… فأُخذ.

