الرابع من تشرين الأول.
أهكذا تشعُر القنبلة حين تولد؟ بانعدامِ الصبر؟ بتورم الصدر المتكدس بالشظايا؟ أهكذا أشعر أنا حين أولد مجدداً على هاوية عظامي؟ على طرف النصل الملتهب؟ على وجه الواقع المشوَّه؟
أجل هكذا تلدني نفسي مجددا! تقول أمي… ويقول أبي…ويقول الرفيق الغائب، ويقول الطفل العالق هناك في الرصيف، ذاك الطفل الذي يبيع للناس ذكرياتهم ليشتري ذاكرتهُ الأولى.
أريد أن أكتب، فالكتابة تعذبني الليلة كقرصة الباعوضة على الجفن، كالعطر الذي يَجُرني من الترقوة نحوَ حُفرة الحنين المشتعلة، فلا مفر، ولا ملجأ…لا ملجأ!
أشتاق لهم…رفاقٌ لم يعرفوني قط، رفاق لم أكتب عنهم يوماً فلا تتذكرهم أوراقي ولا تألفُهم حروفي، وأدركُ اليوم ها هنا أن الحنين يمزقني إرباً، وينهش فرط الفقّدِ هذا سراديب السنين هذه كلها في كبدي، أعلم بأنني لن أغادرهم! هذه أصولي، أدعُ للورى شرف المغادرة دائما… وهؤلاء هم أحنُّ الورى! هم الذين لم أخلّ مفارقتهم ولو لهنية! سيفيضُ مني الرمش المثقل بالدمع، فعليه أحبس بحراً… يوجع هذا الفراق الذي صار رغم أنفي، وأضم نفسي على الورق، مفلسة الأبجدية، أبحث عن ما يطبطب على هذه الروح الثائرة، هذه الروح التي لن تستقر إلا بالعودة…
فمتى نعود؟ أفكر برجوعنا منذ ليلة الرحيل…. صبرت عشرة أعوام ، وضاع الشباب وسراديب الذاكرة تفيض بذكراهم ولا تحفظ سواهم، فلا أذكرني إلا معهم، ولا أجد لي عمراّ دونهم، أعيدوني لهم… لست أدري من أطالب، ولكن أعيدوني لهم، فأنا سأنسى تلك الطفلة التي أحبتهم، وأنسى الصَبيّة التي قاومت بهم جنون العالم، أعيدوني لهم ولو لعام! أودعهم وداع الكرام، وداعاً يليق بالرفاق، فهؤلاء هم رفاق صيف الطفولة، هم عبق غرفة المراهقة المرّة، هم ظل الشجرة الذي ما غاب عني حتى وإن غابت شمس الضحى، هم خيط الذهب الذي ضمّد جرحاّ لا يلتأم، وهم لون الزمن، الواحة التي أعود إليها بعد كل توهان، هم النجم الثابت خلف غيم الخريف، أعيدوني لهم….أعيدوهم إلي، سأنسى من أنا ومن كُنت دونهم، سأنسى!


هذا النص يحمل الكثير من المشاعر الي لطالما كانت مدسوسة خلف كل الكلمات الي نتفوه فيها يوميًا ، المطالب المخفية خلف كل جملة اضطرينا نقولها لأن المطلب الحقيقي مستجيل راح ينفهم في ظل هذا المجتمع المُحيط فيك ..
رائع !
:((((