السلام على نفسي، أما بعد،
ما كل هذه العجلة يا وقت؟ حَسبُك! هون علينا وعليك، حنَّ على الطفلة التي تريد التمسك بالذكرى، واللحظة المرّة التي تلتفُ كغصن اللبلابِ والفُل على حبة جمرة، اثنانِ وعشرون عاماً أخطوا على جسرها كالرضيعِ الأعمى، لا أرى أُفقاً، لا أرى شمساً أو وجها أُحملهُ مسؤولية الثورة!
من أنا؟ تطوقني أغلال اللغة، والشعر، وأغصان الرمان ووردها المكحَّلِ بتراب ليلها القرمزيّ، يتربع الحنين على عرشي، وأركعُ عاجزة، أنكِسُ رأسي مُطيعة الصوتَ الأجش الذي يخطبُ بالحبيب المدفونِ في الجوى، ليَحيَى مرة أخرى، يُزلزلُ مسكن أعزّ الورى، ويهدمُ دارِ قوم الهوى…
من أنا؟ صوتُ الشاعر الذي ينكسرُ عند مصعد البيتِ الأخير، حيثُ القافية الناقصة والجمهور الأعجميّ، أنا الكلمة التي لا مرادف لها…
من أنا؟ أفقد لساني الفذّ على ناصية السؤال، وتُكسر علبة الحبر، ويختنق اللسان، ويرتوي الجسد بالأسئلة، أخرّ كالرَجمِ المُستشهِد في صدرِ الصدى،
لقد مارَ بحرنا! وارتفعت جثث الأرواح التي قتلناها بلا حقٍ عمراً بعد عمر، فأرى أبنة السابعة التي ماتت قبل أن ترقص تحت المطر، ثم أرى أبنة الرابعة عشر التي توفيت قبل أن تلمس عنان سماء اللغة، تُكسر رقبتي فتسقط العين وأرى أبنة العشرين، تجري إلى الوراء هرباً من ألغامٍ زرعتها لنفسها، ثم أراني أنا…أنا ابنة الثانية والعشرون، فأشعل في نفسي غليلاً لن يطفئهُ عطفُ الزمن ولا حِصنُ الأم ولا ضمة الأب.
نسيتُ يا وقت، أن أضمّ نفسي، أن ألملم بقايا اللحظات التي عشتها رهبة وخوفاً من نسيانها، أعد لي ذاك الحبيب الذي نسيتُ نفسي بنسيانه، دعهُ يعيد الأمانة التي سرقها دونَ حساب مني، استدعي ذلك الرفيق مرة ليكمل معي الدربَ الذي تركني عليه فردا، أعد لي الرسائل التي كتبتها وأسرتها على من لا يستحقها،
“هون عليك يا زمن، “فلم يبقى عندي ما يبتزهُ الألم.


رائعة!